بعد 58 عاماً: فلسطين بين الاحتلال والفوضى المُهندَسة
05 Jun 2025

في زمن يستخدم فيه "التجويع" كأداة لهندسة وتثبيت الاحتلال، يمرّ عام 2025 ليذكّرنا بأن نكسة 1967 لم تكن لحظة هزيمة عابرة، بل كانت مشروعاً استعمارياً متجدداً، بُني على أنقاض الجيوش المهزومة، وتغذّى من تواطؤٍ دوليٍّ وصمتٍ عربيٍّ مدوٍّ، إذ يتواصل هذا المشروع اليوم عبر أدوات أكثر خبثاً وتطوّراً تحت ما يمكن أن نسميه: "هندسة الفوضى".

هندسة الهزيمة: كيف أُنتجت النكسة كأداة تحكّم استراتيجي؟

في الخامس من حزيران عام 1967، اندلعت حرب الأيام الستة، ولم تكن مجرد معركة عسكرية، بل شكلت لحظة مفصلية أسست لمرحلة جديدة من المشروع الصهيوني، فلم يكن احتلال الأرض هو الهدف الوحيد، بل كان احتلال الوعي جزءاً مركزياً من المعركة، إذ كانت الهزيمة التي لحقت بالجيوش العربية نفسية ومعنوية بامتياز، صيغت بعناية لترسيخ واقع الانكسار العربي، وتهيئة الطريق لمعادلة جديدة فرضها الاحتلال: "السلام مقابل الأمن"، والتي لا تعني في جوهرها إلا الخضوع مقابل البقاء.

تحوّل هذا المفهوم لاحقاً إلى قاعدة أساسية تُدار بها العلاقة بين الاحتلال والشعب الفلسطيني، حيث أصبح الحفاظ على أمن "إسرائيل" شرطاً مسبقاً لأي تقدم سياسي، ومع طرح "خارطة الطريق" عام 2002، بات هذا المفهوم أكثر تجذّراً، إذ لم تعد هناك انسحابات إسرائيلية ولا أفق لدولة فلسطينية إلا بشروط أمنية صارمة تفرضها "تل أبيب"، ويتعيّن على الفلسطينيين تنفيذها أولاً.

الخطير في الأمر أن التنسيق الأمني تحوّل إلى حاجة مفروضة على الطرف الفلسطيني، في ظل تحكم الاحتلال الكامل بحركة الأفراد والبضائع، داخل الأرض المحتلة وخارجها، إلى الحد الذي باتت فيه "إسرائيل" تمتلك صلاحية تقييد حركة الجميع، بمن فيهم الرئيس الفلسطيني، تحت ذريعة خرق ما تسميه "الضمانات الأمنية".

لقد تمّت إدارة النكسة كنموذج لما يُسمى اليوم "هندسة الفوضى"؛ أي تحويل الشعوب إلى أدوات لتكريس الهزيمة، عبر بث الفُرقة بين الفصائل، وخلق صراعات داخلية، وتصفية النخب المقاومة، وملاحقة أي مشروع تحرري حقيقي يخرج عن السيطرة.

من النكسة إلى الكارثة المعاصرة: غزة تحترق والقدس تُخنق

في 2025، لم يعد الاحتلال بحاجة إلى الدبابات وحدها، أصبحت أدواته أكثر تعقيداً وتوغلاً في نسيج المجتمع الفلسطيني؛ ففي القدس يجري الهدم المُمَنهَج للأحياء العربية، مثل حي الشيخ جراح وسلوان، تحت ذرائع قانونية مزيفة، ويتم التهويد التدريجي للمقدسات، ومحاولات اقتسام المسجد الأقصى زمانياً ومكانياً، وسط حماية عسكرية للمستوطنين المقتحمين، إضافة للهندسة الديمغرافية عبر منع البناء للفلسطينيين وسحب الهويات.

أما في الضفة الغربية، تُهندس الجغرافيا بالفصل العنصري؛ حيث جدار الفصل، والحواجز، والطرق الالتفافية، تعتبر أدوات لرسم خريطة استيطانية جديدة على حساب الأرض الفلسطينية، إضافة لتفتيت المجتمع عبر نشر العملاء، وتسهيل بعض الخدمات مقابل الولاء، واستخدام الاعتقالات كوسيلة لإعادة إنتاج الخضوع، وتحويل الاقتصاد إلى اقتصاد تبعية، حيث يتحول العامل الفلسطيني إلى أداة إنتاج في خدمة الاحتلال، تحت مسمى "تصاريح العمل".

أما في قطاع غز، التي لم تعد محاصرة فقط، بل أصبحت مسرحاً لتجارب هندسة الفوضى بأبشع صورها؛ حيث القتل الجماعي المقنن عبر الغارات الجوية التي تستهدف المدنيين والمستشفيات والمدارس، والتجويع الممنهج بقطع الإمدادات الحيوية عن السكان، إضافة لتشتيت البنية الاجتماعية بالقصف المتكرر لعائلات بأكملها، في محاولة لإبادة الذاكرة الجمعية؛ لنشر اليأس كأداة مقاومة مضادة، ليصبح الحلم الفلسطيني مجرد "البقاء على قيد الحياة"!.

هندسة الفوضى: استراتيجية الاحتلال في 2025

يطبق الاحتلال "الإسرائيلي مفهوم "هندسة الفوضى" من خلال مزيج من التحكم بالوعي، والعبث بالبنية المجتمعية، وزرع الفتن، وصناعة أزمات داخلية لإلهاء الشعب عن مقاومته الحقيقية، ومن أبرز مظاهر هذه الهندسة حرف بوصلة الوعي الجمعي من خلال محاولته الدائمة لتحويل الصراع من صراع تحرري ضد الاحتلال إلى "صراع بين الفصائل"، أو "صراع بين غزة والضفة"، أو حتى "صراع بين الإسلاميين والعلمانيين"، وتغذية الثقافة الاستهلاكية لتدمير فكرة النضال والتضحية، واختراق الفضاء الرقمي لبث الإحباط والتشكيك في جدوى المقاومة، والترويج لنماذج "التطبيع".

بعد 58 عاماً على النكسة، يتّضح أن المشروع الصهيوني لم يكن مجرد احتلالٍ للأرض، بل منظومة استعمارية متكاملة تُدار اليوم بأدوات ناعمة، طورت أدواتها الخبيثة تحت مسمّى "هندسة الفوضى"، فما يجري في فلسطين ليست سلسلة أزمات عفوية، بل خطة استراتيجية لتفكيك المجتمع الفلسطيني، وترويض إرادته، وتحويله إلى كيان مُنهك يلاحق سراب "الدولة" ويصارع ذاته بدل مواجهة العدو الحقيقي، ومع اتساع رقعة التهجير، وتجذر الاستيطان، وتصاعد التجويع، فإن الحاجة ملحّة إلى وعي ثوريّ يُدرك عمق المعركة، ويتجاوز معادلات "السلام المشروط"، ويُعيد ترتيب أولويات التحرر الوطني؛ فالاحتلال لا يُفكّك بالفوضى، بل بوحدة الوعي، وبناء جبهة مقاومة متماسكة تُفشل "هندسة الهزيمة" وتعيد لفلسطين بوصلة الصراع الحقيقية.

 


المواضيع ذات الصلة
director
المقال السياسي
من ديان بيان فو إلى “طوفان الأقصى”: التحول التاريخي المعلّق وضرورة الجبهة الوطنية الموحدة في إدارة الصراع الفلسطيني
31 May 2026
director
المقال السياسي
انهيار النظام الصحي في غزة جريمة إسرائيلية
28 May 2026
director
المقال السياسي
في غزة تتحول أعياد السعادة الى أعراس الشهادة
28 May 2026
director
المقال السياسي
مكة تكتظ بالحجيج.. وغزة تكتظ بالمقابر والخيام
26 May 2026
director
المقال السياسي
الهزيمة التي تبدأ من اعتياد المشهد
26 May 2026
director
المقال السياسي
عندما تصبح الأخلاق مشروطة بالجنسية: أسطول الصمود يقلب الطاولة!
25 May 2026
director
المقال السياسي
الدم حين يهزم الذريعة وصناعة السردية الفلسطينية في مواجهة الطمس
23 May 2026
director
المقال السياسي
ازدواجية معايير مجلس السلام.. في مرآة الديماغوجيا
20 May 2026
director
المقال السياسي
استهداف الحداد ونجل الحية بين الحرب النفسية وكسر التفاوض
19 May 2026
director
المقال السياسي
مسيرة العطاء تتجدد وفكرة القضاء تتبدد
17 May 2026
director
المقال السياسي
بين النكبة وحرب الإبادة تكرار للعدوان واستمرار لنهج الاحلال الممنهج
15 May 2026
director
المقال السياسي
"فلسطــين" ما بين (نكـبـة48 و طـوفــان23)
15 May 2026
director
المقال السياسي
من أوسلو إلى المليشيا الوظيفية، كيف أُعيد تعريف العدو في الوعي الفلسطيني؟
14 May 2026
director
المقال السياسي
حدود القوة المطلقة: قراءة في سيكولوجية التراجع الاستراتيجي الإسرائيلي وعقلنة الانسحاب
13 May 2026
director
المقال السياسي
بين الاتفاق والانتهاك... غزة رهينة المماطلة
09 May 2026