النكبة الفلسطينية المستمرة: جريمة بلا عقاب وصراع على الوجود
15 May 2025

في هذا اليوم الخامس عشر من مايو 2025، وبينما تمر الذكرى السابعة والسبعين للنكبة الفلسطينية، لا يزال الفلسطينيين يُحيون هذا الحدث التاريخي لا كذكرى سنوية فحسب، بل كواقع يومي يعيشه ملايين منهم في الداخل والشتات.

النكبة، التي بدأت عام 1948 بتهجير أكثر من 750 ألف فلسطيني وتدمير مئات القرى على يد العصابات الصهيونية المسلحة، تحولت إلى نمط حياة دائم قائم على النفي، والمحو، والحرمان، فما جرى عام 1948 لم يكن نزاعاً عسكرياً تقليدياً، بل تنفيذاً ممنهجاً لمشروع احتلال إحلالي استيطاني، هدفه تفريغ الأرض من سكانها الأصليين لإحلال "دولة يهودية خالصة"، وقد وثّقت المنظمات الدولية ومؤرخون تفاصيل التطهير العرقي الذي طال قرى مثل دير ياسين، اللد، وصفد، حيث قُتل المدنيين وهُجرت العائلات تحت التهديد والمجازر.

يعيش الفلسطينيين المهجرين في ظروف قاسية، محرومين من حق العودة إلى أراضيهم حتى اليوم، بينما استولى كيان الاحتلال "الإسرائيلي" على أكثر من 78% من أرض فلسطين، وقامت بمحو الهوية الفلسطينية عبر تغيير أسماء القرى والمدن وتشجيع الاستيطان اليهودي.

لكن الأخطر من النكبة الأولى، هو امتدادها الزمني حتى يومنا هذا، فالمشروع لم يتوقف عند حدود عام 1948، بل أعاد إنتاج نفسه بصيغ جديدة: احتلال عسكري للضفة، حصار مطبق لقطاع غزة، تهويد ممنهج لمدينة القدس، وتمييز عنصري داخل أراضي 1948، وبينما توالت الأحداث، استمر الفلسطينيين بالعيش لكن في حالة "نكبة متجددة"، يُسلب فيها الحق في العودة، ويُقمع فيها الحلم الوطني، ويُفرَض عليه القتال من أجل البقاء.

ربما لم تظهر استمرارية النكبة أكثر وضوحاً مما حصل في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 وحتى الآن، فما بدأ كحربٍ أعلنها الاحتلال "الإسرائيلي" رداً على ممارسة الفلسطينيين حقهم في الدفاع عن وجودهم وتحرير أسراهم من خلال عملية عسكرية نفذتها المقاومة الفلسطينية، تحوّل خلال أشهر إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في القرن الحادي والعشرين، حيث أكثر من 50 ألف شهيد، غالبيتهم من النساء والأطفال، وآلاف المفقودين تحت الأنقاض، وتدمير شبه كامل للبنية التحتية بما في ذلك المستشفيات والجامعات والمدارس.

إن ما يجري في قطاع غزة اليوم ليس مجرد عدوان، بل استكمال مباشر لحالة "النكبة"، حيث التهجير القسري من شمال القطاع إلى جنوبه، ثم استهداف اللاجئين في مخيمات النزوح، يُعيد إنتاج المشهد ذاته الذي حصل في اللد ويافا قبل أكثر من سبعة عقود، الفرق الوحيد أن العالم الآن يرى الجريمة مباشرة عبر شاشاته، دون أن يحرك ساكناً.

رغم اتساع حجم الكارثة، إلا أن الموقف الدولي الرسمي ظل محكوماً بمنظور استعماري قديم: دعم غير مشروط لكيان الاحتلال "الإسرائيلي" تحت ذريعة "حق الدفاع عن النفس"!، وتجاهل كامل لمعاناة المدنيين الفلسطينيين، بما فيهم أولئك المحاصرين في المدارس التابعة للأمم المتحدة، ورغم صدور تقارير موثقة عن هيومن رايتس ووتش، والعفو الدولية، وقرار محكمة العدل الدولية بمطالبة إسرائيل بوقف الإبادة الجماعية، فإن الحصانة السياسية والعسكرية لكيان الاحتلال بقيت قائمة.

هذا الانحياز ليس مجرد خلل في المواقف، بل امتداد للنكبة بوصفها منظومة ظلم دولية، فما دام العالم ينظر إلى الفلسطيني كمشكلة أمنية، فإن كل مطالباته بالحرية والكرامة ستُقابل بالقصف والتشكيك.

أما في الضفة الغربية، فإن التوسع الاستيطاني وصل إلى مستويات غير مسبوقة، حيث بات أكثر من 770 ألف مستوطن يعيشون في مستعمرات غير شرعية، فيما يُحاصر الفلسطينيون بجدران فصلٍ عنصري، ويُمنعون من البناء والتنقل، وتُصادر أراضيهم بالقوة.

وفي أراضي 1948، حيث يعيش قرابة مليوني فلسطيني داخل كيان الاحتلال، تُطبّق سياسات تمييز ممنهجة، فقانون "الدولة القومية اليهودية" الصادر عام 2018 هو أبرز مثال على ذلك، إذ ينص صراحة على أن حق تقرير المصير في هذه الأرض محصور باليهود فقط.

أما في الشتات، تتجلى النكبة في استمرار معاناة أكثر من 6 ملايين لاجئ فلسطيني، معظمهم في لبنان، وسوريا، والأردن، تحوّلت حياتهم إلى سلسلة من الأزمات المعيشية، وسط تراجع دور "الأونروا" نتيجة الابتزاز السياسي والمالي لها.

ورغم هذا السواد، فإن ما يُقلق الاحتلال ليس فقط المقاومة المسلحة، بل وعي الجيل الفلسطيني، هذا الجيل، الذي لم يعش النكبة الأولى، لكنه وُلد في نكبة مستمرة، بات أكثر إصراراً على الربط بين الماضي والحاضر، ليوقف حالة النكبة، فنجد الفلسطينيين في الجامعات خارج فلسطين، وفي ساحات الاشتباك في نابلس وجنين في الضفة، وعلى منصات التواصل، وفي حملات المقاطعة (BDS)، يعيدون تعريف الصراع: فهو ليس نزاعاً على الأرض فقط، بل على الذاكرة، والرواية، والهوية.

إن النكبة ليست حدثاً طويلاً وانتهى، بل مشروع ما زال يتنفس، ويُمارَس، ويُشرعن، لكنها أيضًا ليست قدراً، فصمود سكان قطاع غزة رغم المجازر، وثبات الشيخ جراح رغم التهجير، وصوت المخيمات رغم الجوع، كلها دلائل على أن الشعب الفلسطيني لا يطلب تعاطفاً إنسانياً، بل عدالة سياسية تُعيد له ما سُلب منه قسرا (الوطن، والكرامة، والتاريخ).



المواضيع ذات الصلة
director
المقال السياسي
قتل بلا طلقات: كيف حوّلت إسرائيل قطاع غزة إلى "جثة اقتصادية"تنتظر الدفن؟
16 Apr 2026
director
المقال السياسي
تفكيك خطاب الأزمة البنيوية في المشروع الصهيوني
13 Apr 2026
director
المقال السياسي
كيف نستثمر انتصار المقاومة..ثمرة الدم ترسيخ الانتصار
11 Apr 2026
director
المقال السياسي
غزة وانتقال النظام الدولي من النوع الثاني (IR²⁺) النسبي إلى النوع الثالث (IR³) الشبكي
11 Apr 2026
director
المقال السياسي
وهم الحياد في البيئات المستقطبة حين يتحول التموضع الرمادي إلى انكشاف استراتيجي
11 Apr 2026
director
المقال السياسي
خطاب أبو عبيدة وثيقة عسكرية.. تعيد رسم خرائط النار وتعلن ولادة جبهة إقليمية لا تعترف بحدود سايكس بيكو
06 Apr 2026
director
المقال السياسي
إقالة رئيس الأركان الأمريكي في قلب الحرب: تطهير القيادة أم تمهيد للضربة النهائية؟
04 Apr 2026
director
المقال السياسي
"إغلاق المسرى .. وإعدام الأسرى"؛ كلاهما قوانين متطرفة لتصفية القضية الفلسطينية
04 Apr 2026
director
المقال السياسي
الاستقرار الإقليمي يبدأ من فلسطين مروراً بسوريا
02 Apr 2026
director
المقال السياسي
غــزة بين سنديان الأمان والفلتان
31 Mar 2026
director
المقال السياسي
غزة اليوم في حالة "جمود ديناميكي
29 Mar 2026
director
المقال السياسي
اعدام الأسرى… وجه الاحتلال الوحشي الذي يتحدى القانون الدولي
28 Mar 2026
director
المقال السياسي
العدوان علي ايران فشل للدبلوماسية الامريكية
25 Mar 2026
director
المقال السياسي
فلسطين بين طموح بكين واستراتيجية واشنطن في منطقة الشرق الأوسط
24 Mar 2026
director
المقال السياسي
اغلاق الأقصى.. مخططات التهويد والتقسيم وواجب النصرة
19 Mar 2026